الوحدة اليمنية

ثلاثاء, 12/09/2014 - 20:14

تم إعلان الوحدة رسميا في 22 مايو 1990 وإعتبار علي عبد الله صالح رئيسا للبلاد وعلي سالم البيض نائب لرئيس الجمهورية اليمنية. كان اتفاق الوحدة سريعاً ولم يخضع لفترة إنتقالية لدرجة أن كوريا الجنوبية استبشرت بالوحدة اليمنية ورأت الوحدة مع كوريا الشمالية ولكن الخلافات المتزايدة بين السياسيين اليمنيين دفعت الكوريين للتعليق بأن "أي وحدة وطنية تقوم لمنافع سياسية صرفة ومفتعلة لن تنجح ويجب أن تخضع لفترة إنتقالية طويلة لإزالة الشكوك والخصومة المتبادلة بين السياسيين" [9] قبل الوحدة في عام 1989 وقبله، كانت القوى القبلية والدينية في شمال اليمن ترفض الوحدة بوضوح بحجة أن الجنوب إشتراكي وسيؤمم الشمال وكانت لهم تحفظات إجتماعية كذلك بالإضافة للضغوطات السعودية الممارسة عليهم، من عام 1972 والسعودية تستعمل نفوذها على القبائل للإطاحة بأي حكومة في شمال اليمن تحاول المضي نحو الوحدة [10] عكس الوحدة بين ألمانيا الشرقيةوألمانيا الغربية حيت استطاعت ألمانيا الغربية فرض شروطها لتفوقها الإقتصادي ، لم تستطع أي من الدولتان اليمنيتان فرض نظامها ورؤيتها على الآخر فقامت الوحدة السياسية قبل دمج المؤسسات العسكرية والإقتصادية [11]

 

تمت مباركة الوحدة عربياً وبالذات من القوى القومية مثل ليبيا والعراق ومصر وأراد علي عبد الله صالح أن يلعب دور الوسيط بين المتنازعين من الأشقاء العرب وزار معمر القذافي ومحمد حسني مبارك وصدام حسين صنعاء وأعلن الأخير وقوفه مع اليمن ضد أعداء الأمة العربية وهو بالضبط ماأراده علي عبد الله صالح، فاتخذت الجمهورية الموحدة الجديدة خطا قومياً معاديا لأي تمركز لقوى غير عربية على البحر الأحمر وأعلن اليمن الموحد الجديد عن كشفه لمؤامرة إسرائيلية ـ إثيوبية للسيطرة على حوضالبحر الأحمر، كانت العلاقات الإسرائيلية الإثيوبية قد عادت من جديد مطلع التسعينات وأرادت إسرائيل تأمين إمداداتها عبر المنطقة وهي المؤامرة التي تحدث عنها صالح [12]

أعلنت الحكومة اليمنية أنها تؤيد قرارا عربياً لحل أزمة الغزو العراقي للكويت في أغسطس 1990 ورفضت اليمن التي كانت الدولة العربية الوحيدة بمقعد في مجلس الأمن تلك الفترة، التصويت لقرار أممي يقضي بانسحاب القوات العراقية من الكويت وتدخلت قوات التحالف بقيادة أميركية لتحرير دولة الكويت وتبددت كل آمال الجمهورية اليمنية بتقليص التواجد والنفوذ الغير عربي في المنطقة، وألبت الجمهورية الجديدة كل الدول الغربية التي أملت صنعاء تلقي الدعم منها.[13] كان علي عبد الله صالح وحزبه وقيادات الحزب الإشتراكي اليمني تعتقد أنه استناداً لخصومة الجموع العربية مع المشيخات الخليجية، أن أغلب رؤساء الدول العربية سيتخذون موقفا متعاطفا مع صدام حسين وهو إما الإعترافبجمهورية الكويت أو الإتفاق على حل عربي بانهاء الخلاف الكويتي العراقي دون تدخل أممي [14] ولكن الجمهورية الوليدة رأت في صدام حسين حليفاً موثوقاً لإعادة التوازن إلى العلاقات اليمنية السعودية، وكان علي عبد الله صالح ناقماً على موقف السعودية الرافض لإنضمام اليمن لمجلس التعاون الخليجي من الثمانينات [13] من ناحية جيواستراتيجية،عراق ضعيف يعني هيمنة السعودية على شبه الجزيرة العربية ويسمح لها بمزيدا من التدخل في شؤون اليمن الداخلية والخارجية [15]

السعودية والتي كانت أبرز معرقلي جهود الوحدة اليمنية من البداية، زادت من ضغوطاتها على اليمن وادعت ان اليمن تآمرت مع العراق والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية لتقسيم السعودية بينهم واعادة آل سعود إلى نجد، لم يتوفر دليل على المزاعم السعودية [16] ولكن معاهدة الطائف التي تمت عام 1934 بين البلدين كانت قد اوشكت على الانتهاء على أية حال [17] فنشرت قوات من المرتزقة الباكستانيين على الحدود ـ الغير المعرفة آنذاك ـ وشددت إجرائاتها على العمال اليمنيين وشنت حملات إعلامية على اليمن واليمنيين لإن المغتربين الورقة الأكثر حساسية وفعالية.[18][19] إذ كانت السعودية تسمح لليمنيين بالعمل داخل أراضيها دون كفيل، تم ترحيل قرابة نصف مليون عامل، ستين ألف منهم اضطر للعيش في مخيمات للاجئين عند عودتهم لليمن وهو ماأضر بالإقتصاد اليمني الضعيف أصلاً إذ كان المغتربون يرسلون قرابة اثنين مليار دولار سنوياً إلى اليمن، أي 20% من الإيرادات الخارجية [20] وزادت السعودية من دعمها التقليدي للقبائل ضد الحكومة المركزية لإستخراج تصريحات مؤيدة لها من زعامات القبائل والقوى الدينية المعادية للوحدة أصلاً ولكن الحكومة اليمنية شكلت لجنة لمساعدة الإعلام اليمني على الرد على البروباغندا والتعبئة السعودية [21] كانتالسعودية تعلم بشأن الآبار النفطية في مأرب وشبوة والجوف وهو مافاقم الأزمة الحدودية بين البلدين.[22]

أعاد علي عبد الله صالح التحالف القديم بينه وبين القوى القبلية والدينية في حزب التجمع اليمني للإصلاح ليكونوا ثقلا موازناً للحزب الإشتراكي. تزايدت وتيرة الإغتيالات وأعمال العنف [23] القوى الدينية المحافظة كانت معادية للوحدة حتى أسامة بن لادن نفسه عارض الوحدة بحجة أن اليمن الجنوبي ماركسي وإمتداد للإتحاد السوفييتي الذي كان قد انسحب للتو من أفغانستان، وكان عبد المجيد الزنداني أبرز مجندي الشباب اليمني للقتال في الحرب السوفيتية في أفغانستان[24] إذ كان ابن لادن يمول ثلاث طائرات من طراز بوينغ 707 لملئها بالشباب اليمني للقتال في أفغانستان يومياً[25] تغاضى علي عبد الله صالح عن المجاهدين العائدين إلى اليمن وتحالف مع طارق الفضلي لإن الفضلي كان الرجل الأمثل بالنسبة لصالح لإعادة القوى القبلية في جنوب اليمن التي فرقها الإشتراكيين[26] تم اغتيال 158 سياسي من جنوب اليمن في الفترة مابين 1991 و1993 وهو مافاقم الخلافات بين علي سالم البيض وعلي عبد الله صالح، اتهم علي عبد الله صالح السعودية بالوقوف وراء الإغتيالات.[27] ولكن الحقيقة هي أن صالح رأى في هولاء الجهاديين حليفاً للتخلص من الحزب الإشتراكي، الشريك السياسي في اتفاقية الوحدة اليمنية[26] فلم يقدم أي من الجهاديين للمحاكمة ولم تبذل الأجهزة الأمنية جهداً يذكر لإيقاف مسلسل الإغتيالات [28]

قبل الوحدة، كان لكلا النظامين حزب حاكم فتأسس حزب المؤتمر الشعبي العام عام 1982 في شمال اليمن وهو حزب شبيه بالحزب الوطني الديمقراطي المصري[29] وكان الحزب الإشتراكي اليمني الحزب الحاكم بجنوب اليمن. كانت التجربة الديمقراطية جديدة على اليمن لإن كلا الحزبين في جنوب وشمال اليمن لم يتول السلطة بطرق ديمقراطية وأنهت الوحدة عام 1990 نظام الحزب الواحد. شارك حزب المؤتمر الشعبي العام والحزب الإشتراكي اليمني وحزب التجمع اليمني للإصلاح وثلاثة آلاف سياسي مستقل في الانتخابات البرلمانية اليمنية 1993 [29] كانت الإنتخابات ناجحة وشفافة إلى حد كبير وتوجه ديفيد ماك إلى صنعاء وقال [30] :

« من المهم أن تتذكروا أنه لا توجد دولة في العالم تملك مخططا للديمقراطية لدولة أخرى.. لذلك لا تنظروا إلى ماتفعلونه هنا كمثال للدول الأخرى»

كان الأميركيون يشيرون للسعودية التي لم يعجبها نجاح الإنتخابات [31] كانت النتيجة مخيبة لآمال الحزب الإشتراكي اليمني فطالب علي سالم البيض بحكم ذاتي لجنوب اليمن وتمثيل متساو في المناصب بين الجنوبيين والشماليين.[32]وإكتشاف حقول نفطية جديدة عام 1993 في حضرموت ، مسقط رأس علي سالم البيض ساهم في في زيادة حدة الخلاف وأصر علي سالم البيض على موقفه الرافض لأي شيئ أقل من نصف السلطة مع حزب المؤتمر الشعبي العام. وصلت المحادثات إلى طريق مسدودة حتى توسط الحسين بن طلال ملك الأردن ووقع علي عبد الله صالح وعلي سالم البيض على وثيقة العهد والاتفاق 1994 في العاصمة الأردنية عمَّان في فبراير 1994.

في أبريل عام 1994 تم تبادل اطلاق النار في معسكر تابع لليمن الجنوبي قرب صنعاء سرعان ماتطورت لحرب كاملة في 20 مايو 1994 وقامت حرب 1994 الأهلية في اليمن بعد ثلاثة أسابيع من تساقط صواريخ سكود على صنعاء، وأعلن علي سالم البيض نفسه رئيساً على دولة جديدة سماها جمهورية اليمن الديمقراطية من عدن ، لم يعترف أحد بالدولة الجديدة وعملت السعودية على إخراج إعتراف من مجلس التعاون الخليجي بالدولة الجديدة ووافقت البحرين والكويت والإمارات العربية المتحدة في حين رفضت قطر وسلطنة عمان الإعتراف بالجمهورية التي أعلنها علي سالم البيض[33] بعدها توجهت السعودية للأمم المتحدة للدفع بقرار أممي بوقف إطلاق النار، فشلت الجهود السعودية لعرقلة الوحدة اليمنية فتوجهت للولايات المتحدة مطالبة إياها الإعتراف بعلي سالم البيض فرفض الأميركيون[34] وحاولت السعودية استعمال عملائها القبليين ضد الوحدة ولكن عبد الله بن حسين الأحمر ـ الذي كان معادياً للوحدة سابقا ـ أبقى على تحالفه مع علي عبد الله صالح[35] دعمت السعودية علي سالم البيض بالأموال والأسلحة لتراه يهرب من البلاد وانتصرت الحكومة اليمنية واعادت السيطرة على عدن في يوليو 1994.




shadow